محمد المختار ولد أباه

25

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

سيبويه الذي دون النحو في كتابه ، واستمرت شواهده سارية في المصنفات ، لم يكن ذا معرفة بالحديث . وقد يمكن أن يقال إنه بقيت في نفسه عقدة من تعلم الحديث لأنه طلبه أولا ، ولحن فيه فانصرف إلى النحو وابتعد عن الحديث « 1 » . ولقد قلد النحاة سيبويه في عدم الاستشهاد بالحديث ، لأن قليلا منهم كانوا من أهله . ثم صاروا فيما بعد يبحثون عن الحجج لعدم الاحتجاج به . فادعوا أنه روي بالمعنى وأن رواته كانوا من الأعاجم . والحقيقة أن هؤلاء الرواة سواء أكانوا عربا أو موالي يحرصون حرصا شديدا على تتبع ألفاظ الحديث مخافة أن يكذبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لتواتر الحديث القائل « من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » « 2 » . وإذا خامرهم الشك في عبارة بينوا وجه ذلك ، مثال ذلك ما نقرأه في الموطأ من حديث هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر في حديث خسوف الشمس ، إذ قال هشام قالت أسماء : « يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المومن أو الموقن ( لا أدري أي ذلك قالت أسماء ) فيقول ، محمد رسول اللّه جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا فيقال له نم صالحا قد علمنا إن كنت لمؤمنا وأما المنافق أو المرتاب ( لا أدري أي ذلك قالت أسماء ) فيقول ، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته « 3 » . واختلاف اللفظ في الحديث الواحد ، لا يعني بالضرورة أنه روي بالمعنى ، ذلك أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يكرر كلامه ثلاث مرات ليسمع ، ويجوز أن يكون هذا التكرار بصيغ مختلفة ، كما أنه في بعض الأحيان يمكن إعادة الحديث في مناسبات أخرى . ولنفرض أنه روي بالمعنى ، فإن رواته أكثرهم من العرب ، إما بالأصالة وإما بالولاء . وهذا ما يؤكده النظر في رجال موطأ الإمام مالك على سبيل المثال

--> ( 1 ) السيرافي : أخبار النحويين ، ص بين 59 وابن الأنباري : نزهة الألباء ، ص 54 . ( 2 ) متفق عليه . ( 3 ) الموطأ في باب صلاة الكسوف .